من أكثر المواقف التي تثير قلق الوالدين رؤية أحد أطفالهم يضرب أخاه، أو يهدده، أو يتعمد إزعاجه وإيذاءه. وغالبًا ما يُنظر إلى هذه التصرفات على أنها مجرد غيرة طبيعية بين الإخوة أو جزء عابر من النمو. لكن الأبحاث تشير إلى أن العدوان بين الإخوة يستحق الانتباه، ليس لأنه يدل بالضرورة على مشكلة خطيرة، بل لأنه قد يؤثر في جودة العلاقات الأسرية وصحة الأطفال النفسية إذا أصبح متكررًا أو شديدًا.
في الواقع، لا ينشأ الطفل وهو يرغب في إيذاء أخيه أو أخته. فخلف السلوك العدواني توجد غالبًا مشاعر لم يستطع التعبير عنها بطريقة مناسبة. قد يشعر بالغيرة بعد ولادة طفل جديد، أو بالإحباط عندما يعتقد أن أخاه يحظى باهتمام أكبر، أو بالغضب لأنه لا يمتلك المهارات اللازمة للتعبير عن احتياجاته ومشاعره بالكلمات. وفي بعض الأحيان يكون العدوان انعكاسًا للتوتر الذي يعيشه الطفل أو للطريقة التي يتعلم بها التعامل مع الخلافات داخل بيئته.
وتوضح الدراسات أن العلاقات بين الإخوة تتأثر بشدة بالمناخ الأسري العام. فكلما شعر الأطفال بالأمان والإنصاف والاهتمام الفردي من الوالدين، انخفضت احتمالية تحول الخلافات اليومية إلى سلوك عدواني. وعلى العكس، فإن التوتر الأسري المستمر، أو المقارنات المتكررة بين الأبناء، أو غياب القواعد الواضحة للتعامل مع النزاعات قد يزيد من حدة الصراعات بينهم.
ومن النتائج المهمة التي كشفتها الأبحاث أن العدوان المتكرر بين الإخوة لا يقتصر أثره على المنزل فقط، بل قد يرتبط لاحقًا بصعوبات في العلاقات الاجتماعية مع الأقران، وزيادة احتمالية الانخراط في سلوكيات التنمر أو التعرض لها. لذلك فإن التعامل المبكر مع هذه السلوكيات لا يهدف فقط إلى تهدئة الخلافات الحالية، بل إلى دعم النمو الاجتماعي والانفعالي للطفل على المدى البعيد.
عندما يحدث السلوك العدواني، فإن أول ما يحتاجه الوالدان هو الحفاظ على الهدوء. فالصراخ أو العقاب القاسي غالبًا ما يزيد التوتر بدلًا من حله. والأكثر فاعلية هو إيقاف السلوك فورًا مع توضيح أن الضرب أو الإيذاء غير مقبول، ثم مساعدة الطفل على فهم ما شعر به قبل وقوع الموقف. فالطفل الذي يتعلم أن يقول: “أنا غاضب” أو “شعرت بالظلم” يصبح أقل حاجة للتعبير عن مشاعره بالعدوان.
كما تنصح الأدبيات التربوية بالابتعاد عن تصنيف أحد الأطفال على أنه “المعتدي” والآخر على أنه “الضحية” بشكل دائم، لأن هذه الأدوار قد تترسخ في أذهان الأبناء وتؤثر في صورتهم عن أنفسهم. والأفضل التركيز على السلوك نفسه، ومساعدة جميع الأطراف على إيجاد حلول للمشكلة وفهم أثر أفعالهم على الآخرين.
ومن أكثر الاستراتيجيات التي أثبتت فائدتها تخصيص وقت فردي لكل طفل، حتى وإن كان قصيرًا. فالشعور بالاهتمام الشخصي يقلل من المنافسة على انتباه الوالدين ويعزز الإحساس بالأمان العاطفي. كذلك فإن ملاحظة السلوكيات الإيجابية بين الإخوة والثناء عليها تساعد على ترسيخها أكثر من التركيز المستمر على المشكلات.
وفي النهاية، ينبغي تذكر أن الخلافات بين الإخوة أمر طبيعي، لكن العدوان المتكرر ليس أمرًا يجب تجاهله أو التقليل من شأنه. فالطفل الذي يهاجم أخاه لا يحتاج دائمًا إلى مزيد من العقاب، بل يحتاج في كثير من الأحيان إلى من يساعده على فهم مشاعره، وتنظيم انفعالاته، وتعلم طرق أكثر صحة للتعبير عن احتياجاته. ومع الدعم المناسب والحدود الواضحة والبيئة الأسرية الداعمة، يمكن تحويل الصراعات اليومية إلى فرص حقيقية للتعلم والنمو وبناء علاقات أخوية أكثر قوة واستقرارًا.
