لماذا يقلد طفلي شخصيات الكرتون؟ ما الذي تقوله الدراسات عن تأثير الرسوم المتحركة على السلوك واللغة؟

يقلد الأطفال شخصيات الكرتون لأن التقليد يمثل وسيلة طبيعية للتعلم واكتساب اللغة والسلوك. وتشير الدراسات إلى أن الرسوم المتحركة قد تؤثر إيجابيًا أو سلبيًا في الطفل بحسب نوع المحتوى المعروض ومدة المشاهدة والإشراف الأسري، مما يجعل اختيار البرامج المناسبة ومشاركة الطفل في مناقشة ما يشاهده أمرًا بالغ الأهمية.

يلاحظ كثير من الآباء أن أطفالهم لا يكتفون بمشاهدة الرسوم المتحركة، بل يبدأون في تقليد الشخصيات التي يحبونها. فقد يتحدث الطفل بنفس الطريقة، أو يكرر العبارات التي يسمعها، أو يحاول تقمص صفات البطل الكرتوني في لعبه اليومي. وقد يثير هذا السلوك تساؤلات عديدة لدى الأهل: هل هذا التقليد طبيعي؟ وهل يؤثر الكرتون فعلًا في شخصية الطفل ولغته وسلوكه؟

تشير الدراسات إلى أن التقليد يعد جزءًا أساسيًا من عملية التعلم في الطفولة. فالطفل يتعلم الكثير من المهارات والسلوكيات من خلال الملاحظة والمحاكاة، سواء من الوالدين أو الأقران أو الشخصيات التي يشاهدها على الشاشة. وعندما يقضي الطفل وقتًا طويلًا مع شخصية كرتونية محببة، فإنها قد تتحول إلى نموذج يقلده في الكلام والتصرفات وحتى في طريقة التعبير عن المشاعر.

وقد وجدت دراسات تناولت تأثير برامج الرسوم المتحركة أن الأطفال لا يكتفون بمشاهدة المحتوى، بل ينقلون ما يشاهدونه إلى حياتهم اليومية. فبعض الأطفال يكررون الكلمات والعبارات المستخدمة في البرامج الكرتونية أثناء حديثهم مع الأسرة والأصدقاء، بينما يحاول آخرون تقليد الحركات أو السلوكيات التي يرونها لدى الشخصيات المفضلة لديهم.

ومن الجوانب التي تستحق الانتباه أن تأثير الكرتون لا يكون سلبيًا بالضرورة. فالبرامج التي تقدم لغة غنية ومفردات مناسبة للعمر يمكن أن تسهم في توسيع الحصيلة اللغوية للطفل وتعريفه بتعبيرات جديدة. كما أن الرسوم المتحركة التي تعرض قيم التعاون والمساعدة والاحترام قد تشجع الأطفال على تبني سلوكيات إيجابية من خلال التقليد.

في المقابل، تشير بعض الدراسات إلى أن الأطفال قد يجدون صعوبة في الفصل الكامل بين الخيال والواقع، خاصة في الأعمار الصغيرة. ولذلك فإن التعرض المتكرر لشخصيات عدوانية أو سلوكيات غير مناسبة قد يزيد من احتمالية تقليدها، لا سيما عندما يتم تقديمها بطريقة جذابة أو دون إظهار نتائجها السلبية. وقد لاحظ الباحثون أن بعض الأطفال يعيدون تمثيل مشاهد العنف أو الصراع التي شاهدوها في الكرتون أثناء اللعب أو التفاعل مع الآخرين.

كما كشفت الأبحاث أن الأطفال لا يقلدون الشخصيات الكرتونية في السلوك فقط، بل في التفضيلات والرغبات أيضًا. فقد يزداد طلب الطفل على الألعاب أو الملابس أو المنتجات المرتبطة بالشخصيات التي يتابعها باستمرار. ويرتبط ذلك بالتعلق العاطفي الذي ينشأ أحيانًا بين الطفل والشخصية الكرتونية التي يراها بصورة متكررة.

لكن العامل الأهم الذي تحدده الدراسات ليس مجرد مشاهدة الكرتون، بل نوعية المحتوى ومدة التعرض له ودور الوالدين في توجيه المشاهدة. فالطفل الذي يشاهد محتوى مناسبًا لعمره ويتحدث مع والديه حول ما يشاهده يختلف تأثير الكرتون عليه عن طفل يقضي ساعات طويلة أمام الشاشة دون إشراف أو نقاش.

لذلك ينصح المختصون بأن يشارك الآباء أبناءهم أحيانًا في مشاهدة البرامج المفضلة لديهم، وأن يستغلوا هذه الفرصة للحديث عن السلوكيات الإيجابية والسلبية التي تظهر في القصة. فعندما يسأل الوالد طفله: “هل كان تصرف الشخصية صحيحًا؟” أو “كيف كان يمكن حل المشكلة بطريقة أفضل؟” فإنه يساعد الطفل على التفكير النقدي بدلًا من التقليد التلقائي.

كما يُفضل اختيار البرامج التي تتناسب مع عمر الطفل وتحتوي على لغة واضحة وقيم إيجابية، مع الحرص على تحقيق التوازن بين وقت الشاشة والأنشطة الأخرى مثل اللعب الحر والقراءة والتفاعل الاجتماعي المباشر.

في النهاية، لا يعني تقليد شخصيات الكرتون وجود مشكلة لدى الطفل، بل يعكس غالبًا إحدى الطرق الطبيعية التي يتعلم بها الأطفال من العالم من حولهم. إلا أن التأثير الذي تتركه هذه الشخصيات يعتمد إلى حد كبير على نوع الرسائل التي تقدمها، وعلى مدى حضور الوالدين في توجيه تجربة المشاهدة وتحويلها إلى فرصة للتعلم والنقاش.

References

Ghilzai, S. A. (2017). Impact of Cartoon Programs on Children’s Language and Behavior.

Schiau, S., Plitea, I., Gusiță, A., et al. (2013). How Do Cartoons Teach Children? A Comparative Analysis on Preschoolers and Schoolchildren.

Panickar, A. (2023). Cartoons and Children in Kerala: A Qualitative Research Study on How Cartoons Affect the Social Behavior of Children.

Habib, K., & Soliman, T. (2015). Cartoons’ Effect in Changing Children Mental Response and Behavior. Open Journal of Social Sciences.