طفلي يفهم الكلام لكنه لا يتكلم لماذا؟ عندما يسبق فهم اللغة القدرة على التعبير اللفظي

يوضح المقال أسباب فهم بعض الأطفال للكلام مع تأخرهم في التعبير اللفظي، ويشرح الفرق بين اللغة الاستقبالية واللغة التعبيرية، مع تقديم إرشادات عملية للأسرة لتعزيز التواصل ودعم النمو اللغوي والتأكيد على أهمية التدخل المبكر عند الحاجة.

يُعد فهم الطفل للكلام مع تأخره في التعبير اللفظي من أكثر المواقف التي تثير قلق الأسر، خاصة عندما يلاحظ الوالدان أن طفلهما يستجيب للتعليمات، ويتعرف إلى الأشخاص والأشياء، ويفهم ما يُقال له، لكنه لا يستخدم الكلمات للتعبير عن احتياجاته أو أفكاره. ورغم أن هذا النمط قد يبدو محيرًا، فإن الأبحاث في علم النفس والنمو اللغوي تؤكد أن فهم اللغة والتعبير عنها عمليتان مترابطتان، لكنهما لا تتطوران دائمًا بالسرعة نفسها.

يبدأ النمو اللغوي لدى الطفل بالاستماع والملاحظة، حيث يبني تدريجيًا حصيلة من المفردات والمعاني قبل أن يتمكن من استخدامها في الحديث. فالفهم اللغوي يمثل الأساس الذي تُبنى عليه مهارة التعبير، لذلك قد يمتلك الطفل قدرة جيدة على استيعاب الكلمات والجمل، بينما يحتاج إلى وقت أطول لاكتساب القدرة على إنتاجها لفظيًا.

وتوضح النظريات النمائية أن اللغة ليست وسيلة للتواصل فحسب، بل أداة لتنظيم التفكير والسلوك أيضًا. ففي المراحل الأولى يستخدم الطفل الحديث مع نفسه بصورة عفوية أثناء اللعب أو أداء المهام، وهو ما يُعرف بالكلام الخاص، الذي يساعده على تنظيم أفكاره وحل المشكلات، ثم يتحول تدريجيًا إلى كلام داخلي أكثر نضجًا. ويعكس هذا التسلسل أن النمو اللغوي يمر بمراحل متدرجة تبدأ بالفهم والتنظيم الذهني قبل الوصول إلى التعبير اللفظي الكامل.

كما تشير الدراسات إلى أن القدرة على فهم اللغة قد تبقى سليمة حتى في وجود صعوبات في إنتاج الكلام، لأن المهارتين تعتمدان على عمليات معرفية وعصبية مختلفة. فبينما يحتاج الفهم إلى إدراك المعنى وربط الكلمات بخبرات الطفل، يتطلب التعبير اختيار الكلمات المناسبة، وتنظيمها، والتخطيط للحركات الدقيقة اللازمة لإنتاج الأصوات والجمل. ولهذا قد يبدو الطفل مدركًا لما يدور حوله، لكنه يجد صعوبة في تحويل أفكاره إلى كلمات منطوقة.

ويؤكد الباحثون أن اكتساب اللغة لا يعتمد على الاستعداد البيولوجي وحده، بل يتأثر أيضًا بجودة البيئة اللغوية التي يعيش فيها الطفل. فكلما زادت فرص التفاعل اليومي، والحوار، والاستماع إلى اللغة في مواقف طبيعية، ازدادت فرص تطور مهارات التعبير والتواصل.

كيف تدعم الأسرة تطور لغة الطفل؟ تلعب الأسرة الدور الأهم في تنمية اللغة، لأن المنزل هو البيئة الأولى التي يتعلم فيها الطفل التواصل. ويمكن تعزيز مهاراته اللغوية من خلال الحديث معه باستمرار أثناء الأنشطة اليومية، مثل تناول الطعام أو ارتداء الملابس أو اللعب، مع وصف ما يراه ويقوم به بلغة بسيطة وواضحة.

كما تسهم القراءة اليومية للقصص، وسرد الأحداث، والغناء، والألعاب التفاعلية، في زيادة المفردات وتنمية الفهم والتعبير. ومن المهم أن تمنح الأسرة الطفل وقتًا كافيًا ليستجيب أو يحاول التعبير، وألا تستبق احتياجاته دائمًا، لأن إتاحة الفرصة للتواصل تشجعه على استخدام اللغة.

ويُفضل تشجيع جميع محاولات الطفل الكلامية، حتى وإن كانت غير مكتملة، مع إعادة الكلمات بصورة صحيحة في سياق طبيعي، دون تصحيح مباشر أو لوم. فالتشجيع الإيجابي يعزز ثقته بنفسه ويزيد من دافعيته للتواصل.

ومن الجوانب المهمة أيضًا الحد من الاعتماد على الشاشات، واستبدالها بالتفاعل المباشر، لأن اكتساب اللغة يحدث بصورة أكثر فاعلية من خلال الحوار، والنظر إلى تعابير الوجه، والاستجابة المتبادلة، وهي عناصر لا توفرها الأجهزة الرقمية بالقدر نفسه.

متى ينبغي مراجعة المختص؟ إذا كان الطفل يفهم الكلام جيدًا لكنه لا يستخدم كلمات أو جمل تتناسب مع عمره، أو كان تطوره اللغوي بطيئًا، أو يعتمد على الإشارة فقط للتواصل، فمن الأفضل مراجعة أخصائي النطق واللغة لإجراء تقييم شامل، مع التأكد من سلامة السمع والنمو العام. فالتقييم المبكر لا يعني بالضرورة وجود اضطراب، بل يساعد على تحديد احتياجات الطفل ووضع برنامج مناسب لدعم تطوره اللغوي.

وفي الختام، فإن فهم الطفل للكلام يمثل مؤشرًا إيجابيًا على نمو اللغة، لكنه لا يغني عن متابعة تطور مهارات التعبير اللفظي. وعندما توفر الأسرة بيئة غنية بالتواصل والحوار والتشجيع، فإنها تمنح الطفل أفضل الفرص لتحويل ما يفهمه إلى لغة منطوقة، وبناء مهارات تواصل فعالة تدعم نموه الأكاديمي والاجتماعي والانفعالي.

References

 

‏Berk, L. E. (1994). Why Children Talk to Themselves. Scientific American.
Doğan, T., & Çamurcu, Ş. (2025). Communication and the importance of communication in child development. Contemporary Issues of Communication.
Kohlberg, L., Yaeger, J., & Hjertholm, E. (1968). Private Speech: Four Studies and a Review of Theories. Child Development.
Lenneberg, E. H. (1962). Understanding Language Without Ability to Speak: A Case Report. Journal of Abnormal and Social Psychology.
Vygotsky, L. S. (1939). Thought and Speech.
Yang, C. (2006). The Infinite Gift: How Children Learn and Unlearn the Languages of the World.