قد يكون أمرًا جيدًا أكثر مما تعتقد: لماذا يتحدث طفلك مع نفسه؟

التحدث مع النفس عند الأطفال سلوك شائع يساعد على تنظيم التفكير والانتباه وحل المشكلات، ويُعد في كثير من الأحيان جزءًا طبيعيًا من النمو المعرفي واللغوي. ومع ذلك، يُنصح باستشارة مختص إذا كان مصحوبًا بتأخر لغوي أو صعوبات اجتماعية أو علامات أخرى تثير القلق.

يشعر بعض الآباء بالقلق عندما يسمعون طفلهم يتحدث مع نفسه أثناء اللعب أو أثناء إنجاز مهمة معينة أو حتى خلال أنشطته اليومية العادية. وقد يتبادر إلى أذهانهم أن هذا السلوك غير طبيعي أو أنه قد يشير إلى مشكلة نفسية أو نمائية. إلا أن ما توصلت إليه الأبحاث النفسية خلال العقود الماضية يقدم صورة مختلفة وأكثر طمأنة.

فالتحدث مع النفس يعد من السلوكيات الشائعة في مرحلة الطفولة، وقد وصفه علماء النفس بأنه جزء طبيعي من تطور التفكير والتنظيم الذاتي. عندما يتحدث الطفل بصوت مسموع أثناء اللعب أو أثناء محاولته حل مشكلة ما، فإنه لا يتحدث لمجرد الكلام، بل يستخدم اللغة كأداة تساعده على تنظيم أفكاره وتوجيه سلوكه. فقد يقول لنفسه: “سأضع هذه القطعة هنا”، أو “لا، سأحاول مرة أخرى”، وهي عبارات تعكس عملية تفكير نشطة تساعده على التخطيط والتركيز ومراقبة أفعاله.

وقد اهتمت الباحثة لورا بيرك بدراسة هذا النوع من الحديث، وأظهرت أبحاثها أن الأطفال يستخدمون ما يعرف بـ”الحديث الخاص” بصورة متكررة خلال سنوات الطفولة المبكرة، خصوصًا أثناء أداء المهام التي تتطلب جهدًا ذهنيًا أو تركيزًا. وتشير النتائج إلى أن هذا السلوك يرتبط بالتعلم وضبط النفس أكثر من ارتباطه بالمشكلات النفسية.

ويرجع هذا الفهم إلى نظرية عالم النفس ليف فيغوتسكي، الذي رأى أن اللغة تبدأ وسيلة للتواصل مع الآخرين ثم تتحول تدريجيًا إلى أداة للتفكير الداخلي. فالطفل الصغير يفكر بصوت مرتفع، ومع تقدمه في العمر يتحول هذا الحديث المسموع إلى حديث داخلي صامت يساعده على التخطيط واتخاذ القرارات وتنظيم مشاعره. وما يفعله الطفل أمامنا اليوم يشبه إلى حد كبير ما يفعله البالغ في عقله عندما يراجع أفكاره أو يخطط لخطواته القادمة.

وتشير الدراسات إلى أن التحدث مع النفس يزداد غالبًا عندما يواجه الطفل تحديًا جديدًا أو مهمة صعبة. ففي هذه اللحظات يستخدم الطفل اللغة لمساعدة نفسه على التركيز ومقاومة التشتت والاستمرار في المحاولة. ولهذا السبب يلاحظ الآباء هذا السلوك أثناء تركيب الألعاب أو الرسم أو حل الألغاز أو أداء الواجبات المدرسية.

كما أظهرت بعض الأبحاث أن الحديث الذاتي يمكن أن يسهم في تطوير مهارات التنظيم الذاتي، وهي المهارات التي تساعد الطفل على التحكم في انتباهه وسلوكه وانفعالاته. لذلك فإن سماع الطفل يتحدث مع نفسه أثناء اللعب أو التعلم قد يكون في كثير من الأحيان مؤشرًا على أنه يمارس عمليات عقلية مهمة تدعم نموه المعرفي والانفعالي.

ومن المفيد أن يدرك الآباء أن هذا السلوك لا يحتاج عادة إلى إيقاف أو تصحيح ما دام يحدث في سياق طبيعي ويتناسب مع عمر الطفل. فإتاحة الفرصة للطفل للعب الحر والتجربة والاستكشاف تساعده على استخدام اللغة بصورة تدعم تفكيره وتعلمه. كما أن الاستماع إلى الطفل والتفاعل معه يوفران بيئة غنية لنمو مهاراته اللغوية والمعرفية.

ومع ذلك، فإن التحدث مع النفس ليس طبيعيًا في جميع الظروف. فالسلوك لا يُفسر بمعزل عن السياق الذي يحدث فيه أو عن العلامات الأخرى المصاحبة له. لذلك قد يكون من المناسب استشارة مختص إذا كان الطفل يقضي وقتًا طويلًا في الحديث مع نفسه على حساب تواصله مع الآخرين، أو إذا كان السلوك مصحوبًا بتأخر واضح في اللغة، أو ضعف في التفاعل الاجتماعي، أو عزلة شديدة، أو تراجع في مهارات سبق أن اكتسبها. كما تستدعي المتابعة المتخصصة الحالات التي يبدو فيها الطفل غير قادر على التمييز بين الخيال والواقع أو يتحدث إلى أشخاص أو أصوات غير موجودة بطريقة تثير القلق. وفي هذه الحالات لا يكون القلق بسبب الحديث مع النفس بحد ذاته، بل بسبب مجموعة المؤشرات المصاحبة التي قد تستدعي تقييمًا أوسع للنمو والتواصل والصحة النفسية.

في معظم الأحوال، لا يعكس التحدث مع النفس مشكلة، بل يمثل مرحلة طبيعية من مراحل نمو التفكير. ومع مرور الوقت يتحول كثير من هذا الحديث المسموع إلى حديث داخلي صامت يستخدمه الطفل لاحقًا في التخطيط والتعلم واتخاذ القرارات. ولهذا فإن سماع الطفل يتحدث مع نفسه أثناء اللعب أو التعلم قد يكون علامة على أن عقله يعمل بنشاط، ويطور الأدوات التي سيستخدمها مستقبلًا لفهم العالم والتعامل معه.

في الخلاصة التحدث مع النفس عند الأطفال ظاهرة شائعة وطبيعية في كثير من الأحيان، خاصة أثناء اللعب والتعلم وحل المشكلات، حيث يساعد الطفل على تنظيم أفكاره وسلوكه وتطوير مهارات التفكير والتنظيم الذاتي. ومع ذلك، فإن هذا السلوك ليس طبيعيًا في جميع الحالات؛ إذ يُنصح باستشارة مختص إذا كان مصحوبًا بصعوبات في التواصل الاجتماعي، أو تأخر لغوي واضح، أو عزلة شديدة، أو تراجع في المهارات المكتسبة، أو صعوبة في التمييز بين الخيال والواقع. لذلك فإن تقييم السلوك يعتمد على السياق والعلامات المصاحبة له أكثر من اعتماده على وجود التحدث مع النفس بحد ذاته.

References

Berk, L. E. (1994). Why Children Talk to Themselves. Scientific American, 271(5), 78–83.

Fernyhough, C. (2016). The Voices Within: The History and Science of How We Talk to Ourselves. Profile Books.

Tan-Niam, C. (1999). I’m Talking to Myself: Children’s Use of Private Speech for Self-Regulation. National Institute of Education, Singapore.