يُعد العناد من أكثر السلوكيات التي تثير قلق الوالدين وتحديًا لهم في التعامل اليومي مع أطفالهم. فكثيرًا ما يشتكي الآباء من رفض الطفل للتعليمات، أو إصراره على رأيه، أو دخوله في جدالات متكررة حول أمور بسيطة. ومع تزايد هذه الشكاوى في السنوات الأخيرة، بدأ الباحثون يتساءلون: هل أصبح الأطفال أكثر عنادًا فعلًا، أم أن البيئة التي ينشؤون فيها قد تغيرت بطريقة تجعل هذا السلوك أكثر وضوحًا؟
تشير الدراسات الحديثة إلى أن ما يُنظر إليه على أنه عناد ليس دائمًا سلوكًا سلبيًا أو رغبة متعمدة في التحدي. فالأطفال اليوم ينشؤون في بيئات تختلف كثيرًا عن الأجيال السابقة، حيث أصبحوا أكثر تعرضًا للمعلومات، وأكثر مشاركة في اتخاذ القرارات اليومية، وأكثر تشجيعًا على التعبير عن آرائهم ومشاعرهم. ونتيجة لذلك، قد يظهر لدى بعض الأطفال ميل أكبر إلى التفاوض وإبداء الرأي والاعتراض، وهو ما قد يُفسره بعض البالغين على أنه عناد.
وتوضح دراسة حديثة نُشرت عام 2025 أن التصور الشائع بأن أطفال اليوم أكثر عنادًا قد يرتبط بتغير أساليب التربية نفسها. ففي السابق كانت العلاقة بين الكبار والأطفال تقوم غالبًا على الطاعة المباشرة والامتثال للتوجيهات دون نقاش، بينما أصبحت التربية الحديثة أكثر اعتمادًا على الحوار والتفسير واحترام استقلالية الطفل. ومع هذا التحول، أصبح الأطفال أكثر استعدادًا للتعبير عن رغباتهم والدفاع عنها، مما قد يجعل سلوكهم يبدو أكثر تحديًا مقارنة بالأجيال السابقة.
كما تشير الأبحاث إلى أن العناد يزداد بشكل ملحوظ خلال السنوات الأولى من العمر، خاصة في عمر السنتين والثلاث سنوات، وهي المرحلة التي يبدأ فيها الطفل باكتشاف ذاته وإدراك قدرته على الاختيار والتأثير في محيطه. ففي هذه المرحلة يسعى الطفل إلى تأكيد استقلاليته من خلال قول “لا” أو رفض بعض الطلبات أو الإصرار على تنفيذ الأمور بطريقته الخاصة. ويُنظر إلى هذا السلوك من منظور النمو النفسي بوصفه جزءًا طبيعيًا من بناء الشخصية والشعور بالاستقلال.
ومن الجوانب المهمة التي تؤكدها الدراسات الحديثة أن العناد قد يكون أحيانًا وسيلة يعبر بها الطفل عن احتياجات أو مشاعر لا يستطيع وصفها بالكلمات. فالإرهاق، والجوع، والضغط النفسي، والشعور بعدم الفهم أو فقدان السيطرة على الموقف، كلها عوامل قد تدفع الطفل إلى التمسك بموقفه بصورة تبدو عنيدة. لذلك فإن التركيز على فهم السبب الكامن وراء السلوك غالبًا ما يكون أكثر فاعلية من التركيز على السلوك نفسه.
وتبين الأدلة الحديثة أن الصراعات المتكررة بين الوالدين والطفل قد تتفاقم عندما يتحول الموقف إلى معركة إرادات يسعى فيها كل طرف إلى الانتصار على الآخر. فكلما زادت الضغوط والأوامر المباشرة والعقوبات الانفعالية، ازداد احتمال تمسك الطفل بموقفه. وفي المقابل، تساعد الأساليب القائمة على الاحترام المتبادل والخيارات المحدودة والتواصل الهادئ على تقليل حدة المواجهات وتعزيز التعاون.
كما تؤكد الأبحاث أن بعض الأطفال يمتلكون بطبيعتهم سمات شخصية تجعلهم أكثر إصرارًا واستقلالية من غيرهم. ورغم أن هذه السمات قد تسبب تحديات خلال الطفولة، فإنها قد ترتبط مستقبلًا بصفات إيجابية مثل المثابرة والثقة بالنفس والقدرة على الدفاع عن الرأي. ولهذا يحذر المختصون من محاولة “كسر” شخصية الطفل أو القضاء على هذه السمات بالكامل، بل يدعون إلى توجيهها بصورة بناءة.
ومن الاستراتيجيات الإرشادية المدعومة بالأدلة منح الطفل خيارات مناسبة لعمره بدلًا من الأوامر المباشرة كلما أمكن، وإشراكه في بعض القرارات اليومية، والابتعاد عن الدخول في جدالات طويلة أثناء الانفعال، مع الحرص على وضع حدود واضحة وثابتة يشعر الطفل بالأمان من خلالها. كما أن تعزيز السلوك التعاوني والثناء على لحظات المرونة والتعاون يساعد الطفل على تطوير أنماط أكثر إيجابية في التعامل مع الآخرين.
وفي النهاية، لا يُعد العناد دائمًا علامة على سوء السلوك أو ضعف التربية، بل قد يكون في كثير من الأحيان جزءًا طبيعيًا من النمو ومحاولة من الطفل لإثبات ذاته وفهم مكانه في العالم من حوله. وعندما ينظر الوالدان إلى العناد بوصفه فرصة لتعليم الطفل مهارات التواصل والمرونة وحل المشكلات، فإنهما يساهمان في بناء شخصية أكثر توازنًا واستقلالية على المدى الطويل.
