يُعد تكرار الكلام أو الصدوية من السلوكيات الشائعة لدى بعض الأطفال، خاصةً الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، وقد يثير قلق الوالدين ويدفعهما للبحث عن طرق لإيقافه. إلا أن الأدبيات الحديثة تشير إلى أن الصدوية ليست دائمًا سلوكًا سلبيًا، بل قد تكون وسيلة يستخدمها الطفل للتواصل، أو لتنظيم أفكاره، أو لاكتساب اللغة، أو للتعبير عن احتياجاته عندما لا يمتلك مفردات كافية.
وتؤكد الدراسات أن الهدف ليس منع الطفل من تكرار الكلام، وإنما فهم سبب حدوثه. فقد يكرر الطفل سؤالًا لأنه لا يعرف الإجابة، أو يعيد عبارة سمعها سابقًا ليطلب شيئًا، أو يستخدم التكرار لتهدئة نفسه في المواقف التي تسبب له التوتر. لذلك فإن فهم وظيفة الصدوية يمثل الخطوة الأولى في التعامل معها.
ولمساعدة الطفل، توصي الأدبيات بعدة ممارسات بسيطة وفعالة. تحدث معه باستخدام جمل قصيرة وواضحة، وامنحه وقتًا كافيًا للرد دون استعجاله. وإذا كرر سؤالك، فبدلًا من إعادة السؤال مرة أخرى، قدم له نموذجًا للإجابة. فعلى سبيل المثال، إذا سألته: «ماذا تريد أن تشرب؟» وكرر السؤال نفسه، يمكنك أن تقول: «أريد عصيرًا»، ثم تشجعه على تكرار الإجابة المناسبة. ومع الوقت يبدأ الطفل باستخدام هذه العبارات بصورة وظيفية.
كما يُنصح باستثمار الصدوية بدلًا من مقاومتها؛ فإذا كرر الطفل كلمة أو جملة، يمكن توسيعها إلى عبارة أكثر فائدة تتناسب مع الموقف. كذلك فإن تعزيز أي محاولة للتواصل التلقائي، حتى وإن كانت بسيطة، يساعد الطفل على الاعتماد تدريجيًا على اللغة الوظيفية بدلًا من التكرار.
ومن الأخطاء الشائعة مطالبة الطفل باستمرار بأن «يتوقف عن التكرار»، أو تصحيح كلامه بصورة متكررة، لأن ذلك قد يزيد من توتره ويقلل رغبته في التواصل. والأفضل هو توفير بيئة هادئة، والاستماع إليه باهتمام، والتركيز على ما يريد أن يقوله أكثر من طريقة قوله.
وتشير الأبحاث الحديثة إلى أن تدريب الوالدين على استراتيجيات التواصل اليومية، إلى جانب جلسات علاج النطق واللغة عند الحاجة، يسهم في تحسين مهارات التواصل وتقليل الاعتماد على الصدوية بمرور الوقت. لذلك، إذا كانت الصدوية مستمرة، أو تعيق تواصل الطفل، أو يصاحبها تأخر في اللغة أو صعوبات اجتماعية، فمن المهم استشارة أخصائي النطق واللغة لإجراء تقييم ووضع برنامج تدخل مناسب.
وتستخلص الأدبيات الحديثة إلى أن الصدوية ليست مشكلة ينبغي إيقافها فورًا، بل هي مرحلة أو وسيلة تواصل لدى بعض الأطفال. وعندما يفهم الوالدان سببها ويتعاملان معها بطريقة صحيحة، يمكن تحويلها تدريجيًا إلى لغة أكثر فاعلية، بما يدعم تواصل الطفل واستقلاليته وجودة حياته.
