الصحة النفسية لإخوة الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد: قراءة في الدراسات المعاصرة

تستعرض المقالة الصحة النفسية لإخوة الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، والتحديات والعوامل الداعمة التي تؤثر في توافقهم النفسي والاجتماعي، مع تقديم إرشادات لتعزيز دعمهم داخل الأسرة.

شهدت العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في الاهتمام البحثي باضطراب طيف التوحد وآثاره المختلفة على الطفل والأسرة. وبينما ركزت غالبية الدراسات على الطفل ذي التوحد ووالديه، برز اتجاه بحثي حديث يدعو إلى تسليط الضوء على الإخوة والأخوات بوصفهم فئة تتأثر بصورة مباشرة بالتحديات اليومية المرتبطة بالإعاقة. فالإخوة يعيشون خبرات أسرية واجتماعية ونفسية متباينة قد تنعكس على توافقهم النفسي وجودة حياتهم وعلاقاتهم الاجتماعية، مما يجعل دراسة صحتهم النفسية قضية تستحق مزيدًا من الاهتمام.

الصحة النفسية لدى الإخوة في ضوء الدراسات الحديثة

تشير الأدبيات الحديثة إلى أن الصحة النفسية لإخوة الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد تتأثر بمجموعة من العوامل المتداخلة، تشمل طبيعة العلاقة الأسرية، وشدة أعراض التوحد، ومستوى الدعم الاجتماعي، والموارد المتاحة للأسرة. وقد أوضحت الدراسات أن الإخوة قد يواجهون ضغوطًا نفسية متنوعة تتمثل في القلق والتوتر والشعور بالمسؤولية الزائدة، إضافة إلى بعض الصعوبات المرتبطة بالتكيف مع متطلبات الحياة الأسرية اليومية.

كما بينت الدراسات أن التأثيرات النفسية لا تتخذ طابعًا سلبيًا دائمًا، إذ يمكن أن تسهم تجربة العيش مع أخ أو أخت من ذوي التوحد في تنمية عدد من السمات الإيجابية مثل التعاطف والصبر وتحمل المسؤولية والنضج الاجتماعي. ويعكس ذلك الطبيعة المركبة لهذه الخبرة التي تجمع بين التحديات والفرص النمائية في آن واحد.

العلاقات الاجتماعية ودورها في تعزيز التوافق النفسي

تُعد العلاقات الاجتماعية من العوامل الأساسية المرتبطة بالصحة النفسية لدى الأطفال والمراهقين. وفي هذا السياق، أظهرت دراسات أخرى أن جودة الصداقة تمثل عامل حماية مهمًا ضد المشكلات النفسية والانفعالية. ويمكن تفسير هذه النتيجة في ضوء حاجة الإخوة إلى شبكات دعم اجتماعي تساعدهم على مواجهة الضغوط اليومية وتعزيز شعورهم بالانتماء والقبول الاجتماعي.

وتشير الأدبيات إلى أن بعض الإخوة قد يواجهون صعوبات في مشاركة أقرانهم خبراتهم الأسرية، خاصة عندما تكون المعرفة المجتمعية باضطراب طيف التوحد محدودة، الأمر الذي قد يؤدي إلى مشاعر العزلة أو سوء الفهم. لذلك فإن توفير بيئات مدرسية داعمة يسهم في تعزيز الصحة النفسية والرفاه الاجتماعي لهذه الفئة.

الخبرات المدرسية للإخوة

تناولت الدراسات الخبرات المدرسية للإخوة غير المصابين بالتوحد، وأظهرت أن العديد منهم يضطلعون بأدوار داعمة داخل المدرسة وخارجها، حيث يشرحون للمعلمين والزملاء طبيعة احتياجات أخيهم أو أختهم. وقد تؤدي هذه المسؤوليات إلى زيادة الشعور بالضغط النفسي لدى بعضهم، خصوصًا عندما لا يتوافر الدعم الكافي من البيئة المدرسية.ما أوضحت الدراسات أيضاً أن فهم المدرسة لاحتياجات الأسرة يسهم في تخفيف الأعباء النفسية الواقعة على الإخوة، ويعزز شعورهم بالتقدير والتقبل الاجتماعي.

التنمر بين الإخوة وأثره في الصحة النفسية

من الموضوعات الحديثة التي حظيت باهتمام متزايد دراسة العلاقة بين التنمر بين الإخوة والصحة النفسية. وقد توصلت الدراسات  إلى أن التعرض للتنمر بين الإخوة يرتبط بانخفاض تقدير الذات وارتفاع احتمالية ظهور مشكلات نفسية في مراحل عمرية لاحقة. وتؤكد هذه النتيجة أهمية بناء علاقات أسرية قائمة على الاحترام والدعم المتبادل، والعمل على معالجة النزاعات الأسرية بصورة بناءة.

تؤكد نتائج الدراسات الحديثة أهمية تبني الأسر لاستراتيجيات داعمة تسهم في تعزيز الصحة النفسية لجميع الأبناء. ويتمثل ذلك في توفير مناخ أسري قائم على الحوار والتواصل المفتوح، وإتاحة الفرصة للإخوة للتعبير عن مشاعرهم وتساؤلاتهم المتعلقة باضطراب التوحد. كما يسهم تقديم معلومات مناسبة لأعمارهم حول طبيعة الاضطراب في تعزيز الفهم والتقبل وتقليل مشاعر الارتباك والقلق.

ومن المهم أيضًا أن تحرص الأسرة على تحقيق التوازن في الاهتمام بين الأبناء، وألا تؤدي احتياجات الطفل ذي التوحد إلى إهمال الاحتياجات النفسية أو الاجتماعية لإخوته. كما أن تشجيع الإخوة على تكوين علاقات اجتماعية إيجابية والمشاركة في الأنشطة المختلفة يسهم في تعزيز التكيف النفسي والرفاه العام لديهم.

توضح الدراسات المعاصرة أن الصحة النفسية لإخوة الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد تمثل جانبًا مهمًا من جوانب التكيف الأسري. فعلى الرغم من التحديات التي قد يواجهونها، فإن الدعم الأسري والاجتماعي المناسب يمكن أن يسهم في تعزيز توافقهم النفسي وتنمية جوانب القوة لديهم. ومن ثم فإن الاهتمام بهذه الفئة يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من برامج التدخل والإرشاد الأسري الموجهة للأسر التي لديها طفل من ذوي اضطراب طيف التوحد.

References

Deniz, E., & Toseeb, U. (2023). A longitudinal study of sibling bullying and mental health in autistic adolescents: The role of self-esteem. Autism Research, 16(11), 2197–2208.

O’Connor, R. A. G., van den Bedem, N., Blijd-Hoogewys, E. M. A., Stockmann, L., & Rieffe, C. (2022). Friendship quality among autistic and non-autistic (pre-) adolescents: Protective or risk factor for mental health? Autism, 26(8), 2041–2051.

Pavlopoulou, G., Burns, C., Cleghorn, R., Skyrla, T., & Avnon, J. (2022). “I often have to explain to school staff what she needs”: School experiences of non-autistic siblings growing up with an autistic brother or sister. Research in Developmental Disabilities, 129, 104323.

Quatrosi, G., Genovese, D., Amodio, E., & Tripi, G. (2023). The quality of life among siblings of autistic individuals: A scoping review. Journal of Clinical Medicine, 12(3), 735.